إبراهيم بن موسى اللخمي الشاطبي الغرناطي

12

الاعتصام ( تحقيق الشقير والحميد والصيني )

وَالثَّانِي : أَنْ يُلَائِمَ تَصَرُّفَاتِ الشَّرْعِ ، وَهُوَ أَنْ يُوجَدَ لِذَلِكَ الْمَعْنَى جِنْسٌ اعْتَبَرَهُ ( الشَّارِعُ ) ( 1 ) فِي الْجُمْلَةِ بِغَيْرِ دَلِيلٍ مُعَيَّنٍ ، وَهُوَ الِاسْتِدْلَالُ الْمُرْسَلُ ( 2 ) الْمُسَمَّى بِالْمَصَالِحِ الْمُرْسَلَةِ / وَلَا بُدَّ مِنْ بَسْطِهِ بالأمثلة حتى يتبين وجهه بحول الله تعالى . ولنقتصر على عشرة أمثلة : ( أَحَدُهَا ) ( 3 ) : أَنَّ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلّم اتفقوا على جمع ( القرآن في ) ( 4 ) الْمُصْحَفِ ، وَلَيْسَ ثَمَّ نَصٌّ عَلَى جَمْعِهِ وكَتْبه أَيْضًا ، بَلْ قَدْ قَالَ بَعْضُهُمْ : كَيْفَ نَفْعَلُ شَيْئًا لَمْ يَفْعَلْهُ رَسُولُ / اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ فَرُوِيَ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : أَرْسَلَ إِلَيَّ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مَقْتَلَ ( أَهْلِ ) ( 5 ) الْيَمَامَةِ ، وإذا عنده عمر رضي الله عنه فقال أَبُو بَكْرٍ : ( إِنَّ عُمَرَ أَتَانِي فَقَالَ ) ( 5 ) : إِنَّ الْقَتْلَ قَدِ استحرَّ بِقُرَّاءِ الْقُرْآنِ يَوْمَ الْيَمَامَةِ ، وَإِنِّي أَخْشَى أَنْ يستحرَّ الْقَتْلُ بِالْقُرَّاءِ فِي الْمَوَاطِنِ كُلِّهَا ، فَيَذْهَبَ قُرْآنٌ كَثِيرٌ ، وَإِنِّي أَرَى أَنْ تَأْمُرَ بِجَمْعِ الْقُرْآنِ قَالَ : فَقُلْتُ لَهُ : كَيْفَ أَفْعَلُ شَيْئًا لَمْ يَفْعَلْهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ فَقَالَ لِي : هُوَ وَاللَّهِ خَيْرٌ . فَلَمْ يَزَلْ عُمَرُ يُرَاجِعُنِي فِي ذَلِكَ حَتَّى شَرَحَ اللَّهُ صَدْرِي لَهُ ، وَرَأَيْتُ فِيهِ الَّذِي رَأَى عُمَرُ . / قَالَ زَيْدٌ : فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ : إِنَّكَ رَجُلٌ شَابٌّ عَاقِلٌ لَا ( نَتَّهِمُكَ ) ( 6 ) ، قَدْ كُنْتَ تَكْتُبُ الْوَحْيَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَتَتَبَّعِ الْقُرْآنَ فَاجْمَعْهُ . قَالَ زَيْدٌ : فَوَاللَّهِ لَوْ كَلَّفُونِي نَقْلَ جَبَلٍ مِنَ الْجِبَالِ مَا كَانَ أَثْقَلَ عَلَيَّ مِنْ

--> ( 1 ) في ( م ) و ( غ ) و ( ر ) : " الشرع " . ( 2 ) الاستدلال يقصد به أحد معنيين : أحدهما : مثل الاستصلاح تماماً ، والاستصلاح هو : ترتيب الحكم الشرعي على المصلحة المرسلة . فهو - كما يقول ابن بدران - : اتباع المصلحة المرسلة . والثاني : ما يشمل الأدلة المختلف فيها ، وترتيب الأحكام على وفقها كالاستصحاب والاستحسان وغيرهما . انظر : المدخل لابن بدران ( ص 293 ) ، وضوابط المصلحة للبوطي ( ص 352 ) . ( 3 ) في ( ط ) : " المثال الأول " . ( 4 ) ما بين القوسين زيادة من ( غ ) و ( ر ) . ( 5 ) ما بين القوسين زيادة من ( غ ) و ( ر ) . ( 6 ) في ( م ) : " كلمة غير واضحة " . وفي ( خ ) : " لا تقصر " .